ابن عطية الأندلسي

402

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال القاضي أبو محمد وهذا هو المعنى الصحيح فإن الآية عامة في أهل الجنة والغل الحقد والإحنة الخفية في النفس وجمعه غلال ومنه الغلول أخذ في خفاء ومنه الانغلال في الشيء ومنه المغل بالأمانة ومنه قول علقمة بن عبدة ( سلاءة كعصا الهندي غل لها * ذو فيئة من نوى قران معجوم ) وقوله * ( من تحتهم الأنهار ) * بين لأن ما كان لاطئا بالأرض فهو تحت ما كان منتصبا آخذا في سماء و * ( هدانا ) * بمعنى أرشدنا والإشارة بهذا تتجه أن تكون إلى الإيمان والأعمال الصالحة المؤدية إلى دخول الجنة ويحتمل أن يكون إلى الجنة نفسها أي أرشدنا إلى طرقها ولكل واحد من الوجهين أمثلة في القرآن وقرأ ابن عامر وحده ما كنا لنهتدي بسقوط الواو من قوله * ( وما كنا ) * وكذلك هي في مصاحف أهل الشام قال أبو علي وجه سقوط الواو أن الكلام متصل مرتبط بما قبله ولما رأوا تصديق ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى وعاينوا إنجاز المواعيد قالوا * ( لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) * فقضوا بأن ذلك حق قضاه من يحس وكانوا في الدنيا يقضون بأن ذلك حق قضاه من يستدل * ( ونودوا ) * أي قيل لهم بصياح وهذا النداء من قبل الله عز وجل و * ( أن ) * يحتمل أن تكون مفسرة لمعنى النداء بمعنى أي ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة وفيها ضمير مستتر تقديره أنه تلكم الجنة ونحو هذا قول الأعشى ( في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كل من يحفى وينتعل ) البسيط تقديره أنه هالك ومنه قول الآخر ( أكاشره ويعلم أن كلانا * على ما ساء صاحبه حريص ) الوافر و * ( تلكم الجنة ) * ابتداء وصفه و * ( أورثتموها ) * الخبر و * ( تلكم ) * إشارة فيها غيبة فإما لأنهم كانوا وعدوا بها في الدنيا فالإشارة إلى تلك أي تلكم هذه الجنة وحذفت هذه وإما قبل أن يدخلوها وإما بعد الدخول وهم مجتمعون في موضع منها فكل غائب عن منزله وقوله * ( بما كنتم تعملون ) * لا على طريق وجوب ذلك على الله لكن بقرينة رحمته وتغمده والأعمال أمارة من الله وطريق إلى قوة الرجاء ودخول الجنة إنما هو بمجرد رحمة الله تعالى والقسم فيها على قدر العمل وأورثتم مشيرة إلى الأقسام وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر أورثتموها وكذلك الزخرف وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي أورتموها بإدغام الثاء في التاء وكذلك في الزخرف قوله عز وجل سورة الأعراف 44 45 هذا إخبار من الله عز وجل عما يكون منهم وعبر عن معان مستقبلة بصيغة ماضية وهذا حسن فيما